بقلم: محمد فاضل أجيه الشيخ محمد فاضل
بين التوقّع والاستباق: قيادة تحت الضغط
في خِضَمِّ التَّصاعُدِ الجيوسياسيِّ الأخير، وجدت موريتانيا نفسَها أمام واقعٍ اقتصاديٍّ قاسٍ لا يَحتملُ المُزايدات، ولا يترك مجالًا إلَّا لخياراتٍ صعبةٍ بين مِطرقةِ الدَّعم وسِندانِ الميزانيّة. فالأرقامُ التي كشفت عنها الدَّولةُ وضعت الجميع – مُعارضةً وموالاةً – أمام مسؤوليّاتهم: 187 مليارَ أوقيَّةٍ قديمةٍ كاحتمالٍ لدعم المحروقات خلال الأشهر المقبلة، و6000 أوقيَّةٍ تتحمَّلُها الخزينةُ عن كلِّ قنينةِ غازِ بوتانٍ منزليٍّ، و310 أوقياتٍ عن كلِّ لترِ كازوال. أرقامٌ لا يمكن قراءتُها بمنطقٍ شعبويٍّ، ولا تجاهلُها في أيِّ نقاشٍ جادٍّ حول مستقبل السياسات الاقتصاديّة.
قبل أن تتحوَّلَ تداعياتُ الحربِ في الشرق الأوسط إلى ضغطٍ مباشرٍ على السوق المحليّة، ظهرت أولى ملامحِ التعاطي الرسميِّ على مستوى القيادة العُليا، حيث ترأَّسَ رئيسُ الجمهوريّة محمد ولد الشيخ الغزواني اجتماعًا استثنائيًّا لمجلس الوزراء خُصِّص لدراسة تداعيات الأزمة على الاقتصاد الوطني، في خطوةٍ عكست توجُّهًا استباقيًّا يقوم على استشراف المخاطر قبل تجسُّدِها الكامل. ولم يقتصر التعاطي على الإطار الحكوميِّ الضيِّق، بل امتدَّ إلى المجال السياسيِّ من خلال لقاءٍ جمع رئيسَ الجمهورية برؤساء وممثّلي الأحزاب السياسية المختلفة، حيث عُرضت المعطياتُ كما هي، واقتُرح إشراكُهم في آليَّةِ متابعةٍ. كما وجَّه الرئيسُ بإعداد مشروع قانون ماليَّةٍ مُعدَّلٍ لسنة 2026 يأخذ في الحسبان هذه الظرفيَّة، وهو ما يُشير إلى إدماج الأزمة ضمن التخطيط الماليِّ بدل التعامل معها كطارئٍ معزولٍ.
ما قام به الفريقُ الحكوميُّ منذ بداية الأزمة لم يكن خيارًا سهلًا، بل قرارًا واعيًا بحماية القدرة الشرائيّة في ظرفٍ استثنائيٍّ. فَحَجْمُ الدَّعم الذي أَعلن عنه وزيرُ الطاقة والنفط – 17 مليارَ أوقيَّةٍ خلال ثلاثة أشهر فقط – يكشف عن حجمِ العبءِ الذي تتحمَّله الماليَّةُ العموميَّة، وقد تجاوز هذا الدَّعمُ في ظرفٍ وجيزٍ ما كان مرصودًا لمدة تعادل ضِعْفَيْه. وهكذا تجدُ الدَّولةُ نفسَها أمام معادلةٍ دقيقة: امتصاصُ الصَّدمة من جهة، والحفاظُ على التوازنات الماليَّة من جهة أخرى. فالإبقاءُ على هذا المستوى من الدَّعمِ هو خيارٌ سياسيٌّ مكلِّفٌ، لأنَّ البديلَ المباشرَ هو تحرير الأسعار ونقلُ الصَّدمة إلى السوق، لكنَّ الحكومةَ اختارت تحمُّلَ الكُلفة بالتوازي مع إجراءات ترشيد الإنفاق، وهو مسارٌ يجمع بين ضغطينِ مُتوازِيَيْنِ: الإنفاقُ الاستثنائيُّ والانضباطُ الماليُّ.
العدل والكفاءة: التقشُّف كأداة إصلاحيَّة
الإجراءاتُ التي أعلن عنها الفريقُ الحكوميُّ – من منع السيارات الرباعيَّة الدَّفع العموميَّة إلى تعليق المهرجانات وتقليص الإنارة العموميَّة – حملت رسالةً واضحةً مفادها أنَّ المرحلةَ لم تعد تحتمل استمرارَ أنماطِ الإنفاق غير الرشيد. النقاشُ الذي رافق هذه الإجراءات ركَّز على مدى شموليّتها واتِّساقها، مع الإشارة إلى أنَّ الحديثَ عن استمرار بعض مظاهر البَذَخ أو محدوديَّة أثر بعض القرارات يظلُّ جزءًا مشروعًا من النقاش إذا ما فُهِم باعتباره دعوةً لتعميق الإصلاح لا لنفيه. فالتقشُّفُ في معناه العمليِّ لا يكتمل بإجراءاتٍ جزئيَّة، بل يقوم على إعادة نظرٍ أوسع في بنية الامتيازات وآليَّات الرقابة، مع مراعاة العدالة في توزيع الأعباء، وهو شرطٌ أساسيٌّ لفاعليَّة أيِّ سياسةٍ تقشُّفيَّة.
موارد معلَّقة: الغاز والشمس والرياح بين الهَدر والاستغلال
من أكثر النقاط إثارةً للنقاش، يبرز التساؤل حول التناقض بين دخول موريتانيا دائرة الدول المُنتِجة للغاز الطبيعيِّ، واستمرارِ اعتمادِها على استيراد غاز البوتان المنزليِّ والمحروقات المكرَّرة. فغيابُ الجاهزيَّة لاستغلال هذه الموارد، رغم وضوح معطياتها، لا يعكس تحدياتٍ تقنيَّةً فحسب، بل يُشير أيضًا إلى محدوديَّةٍ في الاستباق الاستراتيجيِّ.
الشركةُ المُنتِجة تتولَّى حاليًّا بيعَ حصَّة موريتانيا من الغاز الطبيعيِّ المُسال في الأسواق الخارجيَّة، فيما تكتفي الدَّولةُ بتسلُّم الريع الماليِّ فقط، بسبب عدم توفُّر البنية التحتيَّة اللازمة لاستقبال هذه الحصَّة وتحويلِها للاستخدام المحليِّ في توليد الكهرباء أو الصناعة. ولو كانت هذه البنية متاحة، لكان بالإمكان تخفيفُ الضغط على واردات المحروقات وغاز البوتان، خاصَّةً أنَّ كلَّ قنينةِ غازِ بوتانٍ منزليٍّ تدعمُها الدَّولةُ بـ6000 أوقيَّةٍ، وكلَّ لترِ كازوالَ بـ310 أوقياتٍ، وهما وجهان لفاتورة استيرادٍ ثقيلةٍ كان يمكن خفضُها جزئيًّا عبر استغلال الغاز المحليِّ في التطبيقات الممكنة.
وليس الغازُ وحده ما تملكُه موريتانيا، فالبلادُ تمتلك أروِقَةً من أقوى أروقةِ الرياحِ البريَّةِ والبحرية في العالم، القابلةِ لتوليد طاقةٍ ريحيَّةٍ هائلة، إلى جانب مقدراتٍ شمسيَّةٍ ضخمةٍ يمكن استثمارُها في الطاقة الكهروضوئيَّة. هذه الثرواتُ المتجدِّدة، التي تظلُّ إلى حدٍّ كبيرٍ خارج دائرة الاستغلال الفعلي باستثناءات قليلة، تجعل موريتانيا من بين الدول الغنيَّة بالموارد الطبيعيَّةِ التي يمكن أن تُشكِّل بديلًا استراتيجيًّا للاعتماد شبه الكلِّيِّ على الخارج. الاستغلالُ الأمثلُ لهذه الموارد – الغاز الطبيعيُّ، الرياحُ، والشمسُ – يمكن أن يُحدِث تحوُّلًا حقيقيًّا في هيكل الطاقة الوطنيِّ، ويُقلِّلَ بشكلٍ كبيرٍ من التعرُّض لصدمات الأسعار العالميَّة.
الأزمة كفرصة: مساءلةٌ وإصلاحٌ واستشرافٌ للمستقبل
الحيويَّةُ التي اتّسَمَتْ بها مداخلاتُ بعض النوَّاب المعارِضين تمثِّل مؤشِّرًا إيجابيًّا على انفتاح النقاش العموميِّ. غير أنَّ بعضَ المقاربات تميل إلى اختزال الأزمة في بُعدِها الداخليِّ وتجاهل تأثيراتها الدولية والإقليمية، وتحميلِ الحكومةِ وحدَها مسؤوليةَ آثارٍ تراكميَّةٍ سبقت هذا النظام، وهو توجُّهٌ مشروعٌ في إطار المساءلة لكنَّه يحدُّ من قدرة الناقد على تقديم قراءةٍ متكاملةٍ وحلولٍ عمليَّةٍ قابلةٍ للتطبيق. وفي هذا الإطار، لا يُقَاسُ ثِقَلُ الخطاب النقديِّ بحِدَّتِه، بل بقدرتِه على إنتاج بدائلَ قابلةٍ للنقاش والمساهمة فيها. الانفِتاحُ الرئاسيُّ على الأحزاب من خلال إشراكِها في آليَّةِ المتابعة شكَّل فرصةً لتجاوز منطق التوازي والندِّيَّة بين السلطة والمعارضة نحو قدرٍ من التفاعل العمليِّ.
ما تكشفُه هذه المرحلةُ أنَّ موريتانيا دخلت مرحلةً جديدةً في علاقتها بملفِّ الطاقة. لم يَعُدْ ممكنًا الاستمرارُ في نفس الأدوات دون مراجعة، فسياسةُ الدَّعم، رغم ضرورتِها، تبقى محدودةَ الأثرِ إذا لم تواكبْها إصلاحاتٌ أعمق. ولتحويل التحديات إلى فرصٍ ملموسة، تستدعي المرحلةُ اعتمادَ خطَّةٍ متكاملةٍ تشمل:
· تسريع إنشاء البنية التحتيَّة لاستغلال الغاز المحليِّ في توليد الكهرباء والاستخدامات الصناعيَّة.
· استثمار قدرات الرياح البحريَّة والبريَّة والطاقة الشمسيَّة لتوليد طاقةٍ مستدامةٍ والحدِّ من الاعتماد على المحروقات المستوردة.
· إعادة تنظيم سوق المحروقات وتعزيز الشفافيَّة والمنافسة.
· توجيه الدَّعم نحو الفئات الأكثر هشاشةً بدل تعميمِه بكُلفةٍ غير مستدامة.
· تشجيع استيراد السيارات الصديقة للبيئة والمعدات الحديثة للطاقة المتجدِّدة (بطاريَّات ومحوِّلات) برسوم جمركيَّة رمزيَّة.
· تعزيز آليَّات الرقابة والمحاسبة لضمان اتساق السياسات مع متطلبات التقشُّف.
وفي الختام، نَسْتخلِصُ من هذه الأزمةِ أنَّ الإجراءَ الاستعجاليَّ لترشيد استهلاك الطاقة وحماية قدرة المواطن الشرائية من تحرير أسعار الطاقة عبر الدعم الحكوميِّ كان الخيارَ الأنسبَ في ظرفٍ استثنائيٍّ، غير أنَّ استمراريَّةَ فعاليَّتِهِ ترتبط بمدى الجِدِّيَّة في استخلاص الدروس، وتقليص الاعتماد على الاستيراد، وتنويع مصادر الطاقة، وتشجيع المنافسة، وتوجيه الدَّعم نحو الاستخدام الأمثل. بهذه المقاربة يمكن تحويل الأزمة إلى فرصةٍ لإعادة ترتيب الأولويَّات، وبناء اقتصادٍ أكثر استقرارًا، وكسب قبولٍ وتفهمٍ مجتمعيٍّ يدعم استدامةَ القرارات الاقتصاديَّة المصيريَّة.
