فم لكليت بين استفتاء على أضرار البيئة وسكوت عن أضرار الناس
حين يصبح التشاور مطلوباً في مشروع، ويغيب عندما يتعلق الأمر بمشروع آخر، يحق للمواطن أن يتساءل عن معيار الاهتمام بالبيئة والإنسان.
شهدت منطقة فم لكليت نقاشاً واسعاً عندما وصل سجل الاستفتاء المتعلق بمشروع المجمع الزراعي الصناعي لإنتاج السكر ومشتقاته، حيث تحركت أطراف متعددة، وارتفعت الأصوات، وتعددت المواقف بين مؤيد ومعارض، تحت عنوان حماية البيئة والمحافظة على مصالح السكان.
وهذا في حد ذاته أمر مشروع، بل إن التشاور مع المواطنين والاستماع إلى آرائهم بشأن المشاريع التنموية والآثار المحتملة لها يُعد ممارسة ضرورية.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: أين كان هذا الحرص على الاستفتاء والتشاور عندما تعلق الأمر بترخيص التنقيب عن الذهب في منطقة كوب الفوكاني لصالح إحدى شركات التعدين؟
لماذا قامت الدنيا ولم تقعد عند الحديث عن مشروع السكر، بينما لم نشهد الحراك نفسه، ولم يُطرح على السكان سجل مماثل لاستطلاع آرائهم بشأن الآثار البيئية والبشرية المحتملة لنشاط التنقيب عن الذهب؟
إن البيئة ليست ملكاً لمشروع دون آخر، والإنسان ليس طرفاً يُستحضر عندما تقتضي الظروف، ويُنسى عندما يتعلق الأمر بمشاريع أخرى.
ليست القضية دفاعاً عن مشروع ضد آخر
من المهم أن نوضح أن الاعتراض على مشروع السكر، إن كان قائماً على مخاوف بيئية أو اجتماعية حقيقية، يستحق الاستماع والدراسة. لكن هذا الحق لا ينبغي أن يكون انتقائياً.
فإذا كان مشروع السكر يستدعي استفتاء السكان حول انعكاساته المحتملة، فإن مشروع التنقيب عن الذهب في كوب الفوكاني يستحق بدوره أن تُطرح بشأنه الأسئلة نفسها:
ما حجم الأضرار البيئية المحتملة؟ وما تأثيره على المياه والتربة والمراعي والمجال الزراعي؟ وما انعكاساته على صحة السكان وحياة المواطنين؟ وهل أُنجزت دراسة جادة للأثر البيئي والاجتماعي؟ وهل أُتيح للسكان حق الاطلاع والتعبير عن مواقفهم؟
هذه ليست اتهامات لشركة بعينها، ولا أحكاماً مسبقة على مشروع لم تتضح جميع تفاصيله، وإنما أسئلة مشروعة تفرضها المسؤولية تجاه الإنسان والأرض.
من يحمي البيئة عليه أن يحمي الإنسان أيضاً
إن التنمية الحقيقية لا تقاس بحجم الاستثمارات وحدها، وإنما بمدى انعكاسها على حياة المواطنين، وبقدرتها على خلق فرص العمل وتحسين الظروف المعيشية دون الإضرار بالبيئة أو تهديد مصادر رزق السكان.
ولا يمكن أن نقبل بأن تكون حماية البيئة عنواناً للنقاش في حالة، ثم تصبح مسألة ثانوية في حالة أخرى.
فالأرض واحدة، والسكان أنفسهم، والمياه والموارد الطبيعية ملك للأجيال الحاضرة والقادمة.
ومن هنا فإننا ندعو السلطات الإدارية والجهات المختصة بقطاعي البيئة والمعادن إلى توضيح وضعية الترخيص المتعلق بالتنقيب عن الذهب في منطقة كوب الفوكاني، ونشر المعلومات المتعلقة بدراسة الأثر البيئي والاجتماعي، وإشراك السكان في أي نقاش يتعلق بمستقبل منطقتهم.
فم لكليت تستحق تنمية عادلة لا مواقف انتقائية
لسنا ضد مشروع السكر، ولا ضد الاستثمار الزراعي والصناعي، ولا ضد استغلال الثروات المعدنية وفق القانون والضوابط البيئية. بل نريد لفم لكليت أن تكون منطقة إنتاج واستثمار وازدهار، وأن يستفيد أبناؤها من ثرواتها وفرصها.
لكننا نرفض أن يُختزل النقاش في مشروع واحد، بينما تُترك مشاريع أخرى دون نقاش مجتمعي مماثل.
لماذا لا يكون للمواطن الحق نفسه في معرفة المخاطر المحتملة وإبداء رأيه في جميع المشاريع التي تمس أرضه وبيئته ومستقبل أبنائه؟
إن العدالة في التنمية تبدأ بالعدالة في التشاور، والشفافية لا تتجزأ، وحماية البيئة لا تعرف الانتقائية.
فم لكليت لا تحتاج إلى أصوات ترتفع ضد مشروع وتصمت عن آخر، بقدر ما تحتاج إلى وعي جماعي يضع مصلحة الإنسان فوق كل اعتبار، ويطالب بالشفافية والإنصاف في جميع الملفات.
بقلم: ملاي الزين سيد محمد
